روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
148
عرائس البيان في حقائق القرآن
عليه دعاؤهم له بزيادة مرتبته بحبهم إياه واستغفارهم لأمته ، وصلوات الأمة عليه متابعتهم له ومحبتهم إياه والثناء عليه بالذكر الجميل . قال ابن عطاء : الصلاة من اللّه وصلة ، ومن الملائكة رفعة ، ومن الأمة متابعة ومحبة . قال الواسطي : صل عليه بالوقار ، ولا تجعل له في قلبك مقدار . قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : سألت عبد الواحد الساري عن هذه اللفظة ، وكأني أستفتحه . فقال : لا تجعل بصلواتك عليه في قلبك مقدارا تظن أنك تقضي به من حقه شيئا بصلواتك عليه ، فإنك تقضي به حق نفسك ؛ إذ حقه أجل من أن يقضيه أمته أجمع ؛ إذ هو في صلاة اللّه تبارك وتعالى بقوله : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ، فصلواتك عليه استجلاب رحمة على نفسك به . قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ( 70 ) : التقوى ههنا سقوط احتشام الخلق عن قلوب العارفين عند أداء أمانة اللّه التي فتح اللّه على قلوبهم من أسرار الملك والملكوت ، ولا يلتفت إلى ما سوى اللّه من أنوار الحدثان ، فإذا كان كذلك يصلح اللّه ما يخافون من فوقه يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ ، ويستر الهفوات في تقصير الطريقة ، ثم جمع هذه المعاني بمجموعها بقوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً ( 71 ) : أطاع اللّه بالحقيقة ، وأطاع الرسول بالشريعة ، فقد فاز من الحجاب ، ووصل إلى اللقاء والمآب . قال الواسطي : التقوى على أربعة أدعية : للعامة تقوى الشرك ، وللخاصة تقوى المعاصي ، وللخاص من الأولياء تقوى التوسل بالأفعال ، وللأنبياء تقواهم منه إليه . وقال الوراق : القول السديد ما أريد به وجه اللّه لا غير . وقال سهل : من وفقه اللّه لصالح الأعمال ، فذلك دليل على أنه مغفور له ذنوبه ؛ لأن اللّه يقول : يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ . وقال بعضهم : يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ بقبولها منكم فإن صلاح العمل في قوله . وقال بعضهم في قوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ : هو أن يصلح باطنه وقلبه فإنهما موضع نظر الحق ، ويعمرهما بدوام التفكر ، ويصلح ظاهره بالطاعات الظاهرة واتباع السنن ، فمن فعل ذلك فقد فاز من وساوس الشياطين وهواجس النفس . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 72 إلى 73 ] إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ( 72 ) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 73 )